– السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات – تمارة.
– السادة الزملاء الأئمة المرشدون، والزميلات المرشدات بالمجلس والنواحي،
– أيها الحضور الكريم.
اسمحوا لي في مستهل هذا اللقاء أن أتوجّه بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السيد رئيس المجلس على هذه الدعوة الكريمة، التي تزداد فضلًا وبركةً بانعقادها في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك؛ شهر الصفاء والتجديد والتواصل. تأتي مداخلتي بين أيديكم في إطار تقاسم بعض جوانب التجربة الميدانية، ومساهمةً متواضعة في هذا اللقاء العلمي الأخوي الذي يجمعنا على خدمة رسالتنا المشتركة، وتعزيز جسور التواصل وتبادل الخبرات بين التجارب داخل وطننا المغرب، كما هو الحال أيضًا خارج الوطن، وخصوصًا في فرنسا. وسأحاول، إن شاء الله، في هذه المداخلة ألا أقدّم كلامًا نظريًا مجردًا؛ لأن التنظير في أخلاقيات الإرشاد الديني أمر يسير، ويمكن لأيٍّ منا أن يتحدث عن الضوابط والقوانين والمبادئ العامة المرتبطة بالإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد. وكما لا يخفى على شريف علمكم، فقد أُلِّفت في هذا الباب مؤلفات عديدة، ومن بينها ما هو متوفر بين أيديكم من الأدلة المرجعية، كـ دليل الإمام والخطيب والواعظ الصادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ولا يخلو أي كتاب – بطبيعة الحال – من فائدة، غير أن السؤال الذي قد يخطر ببال المتلقي عند الحديث عن هذه المؤلفات، وعن موضوع الإرشاد الديني عمومًا، هو: هل تُرجِم هذا الكلام إلى واقع عملي؟ أم أنه يظل طرحًا مثاليًا جميلًا لا تؤيده التجربة الميدانية؟ ومن هنا آثرت أن أحدثكم من وحي التجربة الميدانية، كما عشتها وأعيشها في فرنسا، كإمام وخطيب ومرشد ديني في عدد من المساجد والمستشفيات والسجون؛ لعل هذه التجربة تمثل ترجمةً عمليةً لبعض ما ورد في تلك الكتب، أو تسهم في إغنائه بإضافة نابعة من واقع الممارسة والتجربة.
حين أستحضر مساري الوظيفي بصفة عامة، لا أراه مجرد مهمة تقلدتها، بل مسارًا ميدانيًا عشته بتفاصيله اليومية؛ بين المسجد والمنبر، وبين المستشفى والسجن، وبين آلام الناس وآمالهم. وقبل قدومي إلى فرنسا، كنت إمامًا بمسجد بدر بأكدال، وخطيبًا وواعظًا بالنيابة في عدد من مساجد سلا، وكذلك بمسجد الشهداء بالرباط، أتحرك في سياق اجتماعي مألوف لدينا في المغرب. غير أن سنة 2008 شكّلت منعطفًا حاسمًا في حياتي، حين ابتُعثت رفقة مجموعة من السادة الأئمة من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لأداء نفس المهام بأحد مساجد فرنسا. ولم أكن أتصور آنذاك أن تمتد هذه المهمة لما يقارب اثنتي عشرة سنة، من 2008 إلى 2020، قبل أن أنتقل إلى تجربة أخرى ابتداءً من سنة 2021 كمرشد ديني داخل المستشفيات والسجون الفرنسية، وهي المهمة التي ما زلت أزاولها إلى يومنا هذا.
أولاً: تجربتي كإمام ومرشد ديني داخل المساجد بفرنسا (2008–2020)
منذ اللحظات الأولى لوصولي إلى فرنسا، تبيّن لي أن مهمة الإمامة هناك تختلف في طبيعتها وامتداداتها عما ألفناه في المغرب؛ فالمسجد في هذا السياق لا يقتصر على كونه فضاءً لإقامة الصلاة، بل يتحول إلى حاضنة للهوية، وإطار للتأطير التربوي، ومنبر للإرشاد الديني والاجتماعي.
كنت أؤم الناس في الصلوات الخمس، وأخطب الجمعة والأعياد، غير أنني أدركت سريعًا أن دور الإمام لا يُختزل في أداء الشعائر. فالمصلون لم يكونوا ينتظرون مجرد خطبة تُلقى أو صلاة تُقام، بل كانوا يبحثون عن كلمة رصينة تبعث الطمأنينة، وعن توجيه متزن يوفق بين ثوابت الدين ومتطلبات العيش في مجتمع علماني تضبطه قوانين واضحة، وفي مقدمتها قانون 1905 الذي ينظم العلاقة بين الدولة والديانات. وقد تناولت في خطبي – التي جُمعت لاحقًا في كتاب وطُبعت بدار القلم بالرباط سنة 2016 في جزئها الأول، بعنوان «الخطب المناجية لقلوب الجالية»، وقد قدّم لها السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة مشكورا فضيلة الأستاذ المحترم لحسن بن إبراهيم سكنفل تناولتُ فيها مجموعةً من القضايا الواقعية التي تمس حياة الناس. وقد ألقيت هذه الخطب باللغتين العربية والفرنسية، وأحيانًا ببعض الكلمات بالدارجة المغربية، بما يتناسب مع طبيعة المسجد الذي كنت أؤم فيه؛ حيث كانت الغالبية العظمى من المصلين – إن لم أقل كلهم – من المغاربة ذوي الثقافة المتواضعة، ولم يكن بينهم من جنسيات أخرى إلا جزائري واحد فقط بين إخوانه المغاربة. وقد ظلت العلاقة الطيبة التي تربطني بهم مستمرة إلى يومنا هذا، رغم مرور أربع عشرة سنة على مغادرتي لذلك المسجد الواقع على الحدود الفرنسية الألمانية. وعلى امتداد تلك السنوات إلى غاية 2020، عايشت واقعًا مركبًا؛ من خلافات أسرية، وأزمات هوية لدى الشباب، وتساؤلات فقهية مرتبطة بسوق العمل والدراسة والحجاب، إضافة إلى حالات اعتناق جديدة للإسلام تحتاج إلى مواكبة رفيقة ومتدرجة. ولم أتعامل مع هذه القضايا بمنطق الفتوى الجافة، بل بمنطق المصاحبة. فكثيرًا ما كان الإصلاح بين زوجين يتطلب جلسات طويلة وصبرًا كبيرًا، وكثيرًا ما كان شاب يمر بأزمة يحتاج إلى من يصغي إليه بصدق قبل أن يوجهه بكلمة. وخلال شهر رمضان كان الجهد يتضاعف مع قدوم البعثة المغربية الرمضانية؛ حيث تتكاثر الدروس اليومية، وتتجدد الأسئلة الفقهية، وتتعدد اللقاءات الشبابية، وتقام صلوات التراويح، فيتحول المسجد إلى ورشة تربوية مفتوحة. وكان واضحًا بالنسبة لي مدى حاجة الناس إلى خطاب وسطي معتدل يزرع الطمأنينة، ويقي – خصوصًا الشباب – من الغلو والتطرف، كما يحميهم في الوقت نفسه من الذوبان والانسلاخ. كما قمت بعدة زيارات تبادلية مع رجال الدين الكاثوليك والبروتستانت، ولا تزال تربطني بهم علاقات طيبة إلى اليوم؛ حيث يزورونني أحيانًا ويهنئونني في المناسبات، بل ويشاركونني الإفطار في بيتي في بعض المناسبات. وكانت مساجدنا كذلك تنظم فعاليات الأبواب المفتوحة للتعريف بالإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولمناقشة القضايا المشتركة التي تعزز السلم المجتمعي والاحترام المتبادل، وترسخ قيم المواطنة والحوار البناء والتعايش السلمي.
وخلاصة القول في هذه المرحلة من مساري، المتعلقة بعملي إمامًا وخطيبًا وواعظًا مبتعثًا من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أنها كانت تجربة غنية بالعطاء والتعلم، امتدت إلى غاية سنة 2020، حيث انتهى العقد الذي كان يربطني بالوزارة وبالمساجد الثلاثة التي أشرفت على تأطيرها. غير أن انتهاء هذا العقد لم يكن نهاية للرسالة، بل كان انتقالًا إلى مرحلة جديدة من مساري؛ مرحلة مختلفة في طبيعتها، أعمق في تحدياتها، وأوسع في دوائر تأثيرها، وهي تجربة الإرشاد الديني داخل المستشفيات والسجون، التي أنتقل الآن للحديث عنها.
ثانياً: الإرشاد الديني داخل المستشفيات والسجون (من 2021 إلى اليوم)
ابتداءً من سنة 2021، وإلى يومنا هذا من تاريخ إلقاء هذه المداخلة بين أيديكم في 11 مارس 2026، خضت – وما أزال – تجربة جديدة تتسم بقدر أكبر من الحساسية والعمق الإنساني.
أ – داخل المستشفى:
في هذا الفضاء لا آتي لإلقاء درس أو موعظة تقليدية، بل لأجلس إلى جانب مريض قد يكون في أضعف حالاته أو في آخر مراحل حياته. وغالبًا ما تكون زيارتي بناءً على طلب المريض نفسه، أو بطلب من عائلته، أو بتنسيق مع الطاقم الطبي، وأحيانًا عبر اتصال يردني من مكتب الطوارئ بالمستشفى. ودوري هناك ليس دور الطبيب، بل يقتصر على تقديم الدعم الديني والروحي. ويتحقق هذا الدعم كما أراه من خلال بث معاني الصبر والرجاء في نفس المريض، وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم وهو يستمع، والدعاء له، وتذكيره بسعة رحمة الله تعالى. كما أذكّره بأن المرض من أقدار الله التي تحمل في طياتها تكفيرًا للذنوب ورفعةً في الدرجات، مستحضرًا الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، وأنبّهه إلى تجنب التسخط أو سبّ المرض، وأوصيه بالمحافظة على العبادة بحسب استطاعته.
وأبيّن له كذلك أحكام صلاة المريض، وحكم العاجز عن الصيام إذا نصحه الطبيب بذلك، مبشرًا إياه بالأجر والثواب.
كما أحرص على توضيح الأحكام الفقهية التي قد يحتاجها في حال المرض، مثل أحكام الوضوء والانتقال من الطهارة المائية إلى التيمم، والإجابة عن تساؤلاته المتعلقة باستقبال القبلة، أو إمكانية الجمع بين الصلوات. وأحثه كذلك على الإكثار من الذكر والدعاء، وحسن الظن بالله، والاستغفار، والتفاؤل بالشفاء، مع احترام قرارات الأطباء والممرضين والالتزام بتوجيهاتهم الصحية، وطلب ما يحتاج إليه يكون بلطف وأدب، بما يعكس الصورة الحسنة لأخلاق المسلم، ودون مخالفة النظام الداخلي للمؤسسة.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن في كل مستشفى قاعةً مخصصةً للصلاة، يرتادها المرضى القادرون على الانتقال إليها، كما يستفيد منها كذلك أفراد عائلاتهم والزوار، وتكون هذه القاعة تحت إشراف المرشد الديني بالمؤسسة الذي يسهر على تنظيمها وتأطير ما يرتبط بها من جوانب روحية ودينية. وخلال هذه التجربة لمستُ كيف يمكن لكلمة صادقة أن تبدد قلقًا عميقًا، وكيف يشعر المريض بطمأنينة مضاعفة حين يلمس أن دينه محترم ومراعًى داخل المؤسسة، وأن هناك من يسانده دينيًا كما يساند طبيًا.
وكثيرًا ما وجدت نفسي أواكب إجراءات جنائز، أو أشرح لعائلة مسلمة المساطر الإدارية، أو أساعد في الترجمة بين مريض والطاقم الطبي، مع مراعاة الخصوصية المهنية والقوانين المنظمة. وقد أدركت أن المرشد الديني في هذا السياق لا يمارس دوره كخطيب أو واعظ فحسب، بل يؤدي دور الجسر بين ثقافتين، وبين مؤسسة ومواطن، وبين النص الديني والواقع القانوني. هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، يشارك المرشد الديني والمرشدة كأعضاء فاعلين
في لجنة الأخلاقيات الطبية داخل المؤسسة الصحية (Comité éthique de l’établissement)، حيث تُناقش قضايا طبية حساسة مثل التبرع بالأعضاء، وتشجيع التبرع بالدم، والتوجيهات الاستباقية أو الوصية التي يعين فيها المريض شخصًا ينوب عنه عند العجز (personne de confiance)، مع بيان موقفه من بعض الإجراءات المتعلقة بالجنازة والدفن، سواء تقرر أن تتم في فرنسا أو في بلده الأم كما يشارك المرشد الديني في حوار الثقافات والأديان مع المرشدين الدينيين اليهود والكاثوليك والبروتستانت وغيرهم، ويلبي الدعوات التي توجه إليه أحيانًا لحضور بعض المناسبات الوطنية واللقاءات الرسمية على مستوى العمالات، في إطار المجالس الإقليمية للإسلام في فرنسا (Assises territoriales de l’Islam de France)، وكذلك داخل المرافق العمومية. ويرتبط المرشد الديني- رجلا كان أو امرأة- في المستشفيات أو السجون وظيفيًا بالمرشد الديني الجهوي الذي يعينه المرشد الديني الوطني، ويُدمجون ضمن سلك الوظيفة العمومية. كما يشترط في المرشد الديني – رجلًا كان أو امرأة – الحصول على رخصة مزاولة المهام (Agrément)، تسلم من طرف العمالة موقعة باسم السيد الوالي أو العامل (gouverneur ou préfet) قبل مباشرة العمل. كما يوجد مجلس وطني للإرشاد الديني بفرنسا يعنى بتأطير المرشدين الدينيين ومواكبتهم، ويتولى مهام التعيين والمتابعة ومنح التراخيص، إضافة إلى كونه حلقة وصل بين المرشدين الدينيين وقرارات الدولة المنظمة لهذه المهمة.
وفي ختام كل سنة، يرفع المرشد الديني أو المرشدة تقريرًا سنويًا إلى السيد مدير المؤسسة الاستشفائية يتضمن عرضًا لمختلف الأنشطة والمهام التي اضطلع بها داخل المؤسسة التي يشتغلون بها.
ب- داخل السجن :
يختلف المشهد، لكن تبقى الرسالة واحدة: مرافقة الإنسان في لحظة هشاشته. فالسجين لا يعاني مرضَ الجسد غالبًا، بل يعيش صراعًا نفسيًا وشعورًا بالندم أو الضياع أو القلق من المستقبل. وهنا يكون دوري كمرشد ديني الإصغاء له، وفتح باب التوبة، وتعزيز الأمل في رحمة الله، وتذكيره بأن الخطأ لا يعني نهاية الطريق، بل قد يكون بداية تصحيح المسار. التقي بأشخاص يحملون قصصًا معقدة وأخطاء كبيرة، لكنهم في جوهرهم بشر يبحثون عن فرصة جديدة
وليس دوري أن أحاكمهم، فالقضاء سبق إلى ذلك، بل دوري أن أساعدهم على:
– استيعاب معنى التوبة وتحمل المسؤولية.
– تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة.
– استعادة الأمل في بداية جديدة بعد الإفراج.
– على حسن تمثيل الإسلام بصورة إيجابية لان الناس تنظر إلى أفعالنا قبل أقوالنا؛ فلا ينبغي أن يُؤتى الإسلام من تقصيرنا بل يظهر في سلوكنا عدلا ورحمة وانضباطا.
وفي هذا السياق، قمتُ بتأليف كتابٍ مختصر من 70 صفحة » أسميته نوافذ الأمل : نصائح تربوية وروحية للسجين في السياق الأروبي » أقدّم من خلاله دروسًا موجّهة إلى النزلاء، تعالج القضايا التي تهمّهم وتلامس واقعهم.
وُلدت هذه الكلمات والنصائح من رحم الواقع، واستلهمتُ معظمها من تساؤلات النزلاء أنفسهم، ممن ينتمون إلى خلفية ثقافية وروحية تعلن انتماءها إلى الإسلام وتبحث عن معنى الحياة، والتغيير نحو الأفضل، ومسارات التوبة، وأبواب الرجاء.فكانت هذه النصائح ثمرة لتجارب حقيقية عايشناها معهم بإحدى المؤسسات السجنية الإصلاحية بفرنسا.
وهكذا يتضح أن عمل المرشد الديني أو المرشدات داخل المؤسسات الرسمية، سواء في المستشفى أو السجون كما هو الحال في فرنسا، يختلف عن دورهما في المسجد. فقبل مباشرة مهامهما ، عليهما مراعاة مجموعة من الضوابط المهنية والقانونية التي تؤطر عملهما، وفي مقدمتها الحياد المؤسسي والالتزام بالقوانين السارية. وانطلاقًا من هذا، فانني أباشر مهامي مسترشدًا بضميري الديني والمهني، متحليًا بروح الأمانة والمسؤولية، بما يجعلني أهلًا للثقة الممنوحة لي من الجهات الرسمية ومن المستفيدين على حد سواء. فعلى الرغم من ممارسة مهامي الدينية بصفتها المعلنة، إلا أنني لا أفرض معتقدًا على أحد، ولا أناقش الأمور السياسية، ولا أمارس أي شكل من أشكال الإكراه أو التأثير خارج إطار الطلب الحرّ. بل يقتصر دوري فقط على تقديم الدعم الديني لمن يطلبه، مع احترام كامل لحرية المعتقد وكرامة الإنسان، انسجامًا مع القيم الإسلامية التي تؤكد: ﴿لا إكراه في الدين﴾. كما أحرص على عدم التدخل في القرارات الطبية أو الإدارية أو الشخصية المتعلقة بالمرضى أو النزلاء، احترامًا لاختصاصات المهنيين، ولا أعلق عليها أو أبدي رأيي فيها. فوظيفتي دور توجيهي وديني، يكمّل ولا ينافس أدوار الأطباء أو المسؤولين الإداريين، أو المراقبين أو القضاة ولا يحكم على قراراتهم، بل يعمل ضمن إطار من الاحترام الكامل للأدوار وتكاملها.
وبهذا؛ يتبيّن أن دور الإمام أو المرشد الديني والمرشدات في السياق الفرنسي دورٌ مركّب ومتوازن، يجمع بين أداء الرسالة الدينية والأخلاقية من جهة، والالتزام الصارم بالضوابط القانونية والمؤسسية من جهة أخرى. إنه سعيٌ دائم إلى تحقيق التوازن بين أحكام الشرع ومقتضيات السياق، في إطار من الوسطية والاعتدال، والمسؤولية، واحترام التعددية.
خلال هذه المسيرة المتواضعة تقارب 20 سنة تعلمت أن نجاح الإمام المغربي المرشد أو المرشدة في أوروبا عامة وفرنسا خاصة تقوم على ثلاث ركائز أساسية :
– خطاب وسطي معتدل بعيد عن الإفراط والتفريط.
– احترام صارم لقوانين البلد ومؤسساته.
– إخلاص في خدمة الناس دون أجندات شخصية.
كنت أستشعر دائمًا أنني أمثل ديني وبلدي المغرب في آن واحد، وأن الثقة التي تُمنح لك يمكن أن تتعزَّزَ بسلوكك أو تتزعزع بزلَّتِك.
والله أسأل أن يوفقنا لحمل هذه الأمانة على الوجه الذي يرضيه، وأن يجعلنا أهلًا لهذه المسؤولية، وأن نكون عند حسن ظن الناس بنا..