خطبة الجمعة: ظاهرة الإدمان على المخدرات والمسكرات أسباب وحلول.

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم على ذكره.

أما بعد فيا عباد الله، قال النبي صلى الله عليم وسلم في المتفق عليه في حادث الإسراء والمعراج: “وأتيت بإناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة، أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر، غوت أمتك”، وفي بعض روايات ابن جرير رحمه الله أن جبريل قال:” أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل”.

عباد الله، متابعة لموضوع ظاهرة الإدمان على المخدرات والمسكرات التي تم التطرق إليها في إحدى الجمع الماضية، هذه الظاهرة التي ابتليت بها كافة المجتمعات الإنسانية، ومجتمعنا ليس ببدع عنها، حيث تجد العديد من الناس وبخاصة فئة الشباب تعاني الإدمان، إلى درجة أضحوا أناسا بيننا يغدون ويروحون أجساما بلا عقول ولا أرواح، لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا، ولا يستطيعون نفع أنفسهم ولا غيرهم بشيء، أتعبوا أنفسهم بما يتعاطونه من مواد مخدرة مذهبة للعقل، كما أتعبوا من يعيش معهم من أفراد عائلاتهم، وأتعبوا مجتمعهم أيضا حيث أصبحوا يعيشون عالة عليه.

فبعد التعرض للظاهرة من الناحية الشرعية وبيان أن الدين جعل نعمة العقل من الضروريات الخمس الواجب حفظها وحمايتها، والتوقف عند الأضرار الدينية والدنيوية التي تتسبب فيها، بقي أن نجيب عن أسئلة مهمة تتعلق بهذا الموضوع، فماهي الأسباب التي تجعل العديد من الناس يختارون طريق المخدرات والمسكرات والوصول حد الإدمان؟ وماهي الحلول المقترحة للظاهرة؟

عباد الله أما أسباب تعاطي المخدرات والوصول درجة الإدمان عليها فيأتي في أولها ضعف الإيمان بالله تعالى وعدم اللجوء إليه في المحن والمصائب، وما ينتج عن ذلك من قلق واكتئاب، يؤدي إلى فقد الثقة في النفس، فيجد المرء نفسه في أزمة يبحث فيها عن نفسه، ويزداد الأمر سوءا إذا لم يتلق الشاب العناية اللازمة من قبل الأبوين بإعطائه الدور الذي يستحقه، أو بتراجع الرقابة الأسرية عليه بالثقة العمياء فيه، وعدم الاعتدال في التعامل معه بين القسوة واللين، وعدم توازن القيم والمعايير السلوكية في نصحه وتوجيهه، كإهماله ونبذه والسخرية منه، أو الحماية الزائدة والتدليل المفرط ووفرة المال بين يديه، مما يتسبب في كسبه لسلوكيات كارثية كالاتكالية والاعتماد على الوالدين في كل شيء حتى في أبسط الأشياء، وهذا يؤكد جهل الوالدين بأساليب التربية الإسلامية السليمة.

تأملوا عباد الله في ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله مع الشباب في مقتبل العمر، إنه كان يثق في شباب الصحابة رضي الله عنهم، ويستأمنهم على أمورٍ خاصة، وقد كانوا رضوان الله عليهم على مستوى المسؤولية في ذلك، تأملوا في يوم غزوة أحد، فقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سَمُرة بن جندب، ورافع بن خديج أخا بني حارثة، وهما ابنا خمسَ عشرة سنة، وكان قد ردّهما، فقيل له: يا رسول الله، إن رافعاً رامٍ. فأجازه. فلما أجاز رافعاً قيل له: يا رسول الله، فإن سمرة يصرع رافعاً. فأجازه. وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن حضير، ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة.
نعم عباد الله هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بالشباب ويعمل على إشراكهم في أهم الأمور ويبين لهم بأن لهم أدوارا أساسية في المجتمع. وهكذا ينبغي أن نفعل مع أبنائنا لئلا يرتموا في أحضان المخدرات والمسكرات. ينبغي أن نثق فيهم ونسد إليهم الأدوار التي يستطيعون القيام بها، لكي يشعروا بأن لهم أدوارا في هذه الحياة.

في نفس الصدد